محمد جواد مغنية
458
في ظلال نهج البلاغة
2 - لا سبب إلا المادة ، فهي وحدها ، وبما تملك من طاقة واستعداد ذاتي ترتب وتنظم . . وقد دحض العلماء هذا القول دحضا قاطعا بما يتلخص ان النظام يحتاج إلى قصد ، والمادة بما هي لا إرادة لها ولا شعور وإلا كانت على نسق واحد ، لا فرق بين مادة ومادة في الصفات والخصائص ، وهو خلاف الواقع . . وأيضا إذا كانت المادة في غنى بذاتها عن الغير تكون ، والحال هذه ، واجبة الوجود أزلية أبدية ، لا تجري عليها حركة ولا حرارة أو برودة ، ولا تركيب ونقصان ، ومتاعب وآلام . . وأيضا كيف أنشأت المادة لنفسها عقلا وسمعا وبصرا ، وهي بطبيعتها صماء عمياء بل كيف انتقلت بانتظام من وضع إلى وضع لتؤدي غاية معقولة وإذا كان في المادة طاقة تولَّد الحياة والنظام تلقائيا فمن الذي أودع فيها هذه الطاقة وعلى حد ما قال شوقي : « الطبيعة من طبعها » . وان قال قائل : وإلهكم من ألَّهه وواجب الوجود من أوجبه قلنا في جوابه : إن الذي نؤلهه ونعبده لا تراه عين ، ولا تلمسه يد كما هو شأن المادة التي تقضم بالأنياب ، وتدخل المعدة وتخرج منها ، وتلبس على الأجسام وتداس بالإقدام . . إن إلهنا قوة عليا فوق المادة ومنزهة عنها ، قوة فعالة ومؤثرة ، وحكمية مدبرة ، وعادلة تسمع الشكوى وتغنى بالآلام ، وتحاسب وتعاقب ، وعليمة بكل جليل وحقير ، وقاهرة يخضع لها كل شيء ، ولا تخضع لشيء . . انها الكمال المطلق في ذاتها وصفاتها . . واذن فأين القاسم المشترك والقدر الجامع وما هو المبرر للشبه والقياس . 3 - الاعتراف بوجود قوة سرمدية عالمة قادرة ليس كمثلها شيء في الجلال والكمال ، وانها تدبر الكون بما فيه ، واسمها اللَّه الأحد الفرد الصمد ، ولكن هذا الإله العظيم غير منفصل عن الطبيعة ولا مستقل عنها ، بل يتحد معها ومع جميع أشيائها اتحادا كليا يشبه اتحاد الروح مع الجسم بحيث لا يمكن التمييز بينه وبين الطبيعة . . وبكلمة ، ان اللَّه موجود بلا ريب ، ولكن في نفس الطبيعة ، وليس وراءها كما يقول المشاؤن والمؤمنون . . وهذا الدين أو هذه الفلسفة تعرف بوحدة الوجود . والجواب عن هذه الوحدة انها مجرد حدس وتخمين ، وانها تخلط بين العلة والمعلول ، والفعل وفاعله ، وتجعل الكون إلها خالقا ، والإله كونا مخلوقا . 4 - وإذا بطلت الأقوال الثلاثة تختم الأخذ بالقول الرابع ، وهو ان وراء